سيد محمد طنطاوي
305
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين ، لا يقاتلونكم مجتمعين كلهم في موطن من المواطن إلا في قرى محصنة بالخنادق وغيرها ، أو يقاتلونكم من وراء الجدران التي يتسترون بها ، لأنهم يعجزون عن مبارزتكم ، وعن مواجهتكم وجها لوجه ، لفرط رهبتهم منكم . . قال ابن كثير : يعنى أنهم في جبنهم وهلعهم ، لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام ، بالمبارزة والمقاتلة ، بل إما في حصون ، أو من وراء جدر محاصرين ، فيقاتلونكم للدفع عنهم ضرورة . . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) * جملة مستأنفة ، كأن قائلا قال : ولما ذا لا يقاتلون المؤمنين إلا على هذه الصورة ؟ فكان الجواب : بأسهم بينهم شديد . أي : عداوتهم فيما بينهم عداوة شديدة ، بحيث لا يتفقون على رأى ، وقوتهم يستعملونها فيما بينهم استعمالا واسعا ، فإذا ما التقوا بكم تحولت هذه القوة إلى جبن وهلع . . قال صاحب الكشاف : يعنى أن البأس الشديد الذي يوصفون به ، إنما هو فيما بينهم إذا اقتتلوا ، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن الشجاع يجبن والعزيز يذل ، عند محاربة اللَّه ورسوله . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) * استئناف آخر للإجابة عما يقال : من أنه كيف تكون عداوتهم فيما بينهم شديدة ، ونحن نراهم متفقين ؟ . فكان الجواب : ليس الأمر كما يظهر من حالهم من أن بينهم تضامنا وترابطا . . بل الحق أنهم متدابرون مختلفون متباغضون . . وإن كانت ظواهرهم تدل على خلاف ذلك . . أي : تحسبهم أيها الناظر إليهم مؤتلفين . . والحال أن قلوبهم متفرقة ، ومنازعهم مختلفة وبواطنهم تباين ظواهرهم . . وما دام الأمر كذلك فلا تبالوا بهم - أيها المؤمنون - ، بل أغلظوا عليهم ، وجاهدوهم بكل قوة وجسارة . . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) * يعود إلى ما سبق ذكره ، من شدة عداوتهم فيما بينهم ، ومن مخالفة بواطنهم لظواهرهم . أي : ذلك الذي ذكرناه لكم من شدة بأسهم فيما بينهم ، ومن مخالفة بواطنهم لظواهرهم ، سببه أنهم قوم لا يعقلون الحق والهدى والرشاد . . وإنما هم ينساقون وراء أهوائهم بدافع من الأحقاد والمطامع والشهوات ، بدون إدراك لعواقب الأمور ، أو للفهم الصحيح . .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 340 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 85 .